يبحث محمد الشيخ في مسألة الحداثة في فكر الفلسفة «المثالية الألمانية» بشكل عام، وفكر الفيلسوف الألماني «جورج فلهام فريدريش هيغل» (1770 ـ 1831) بشكل خاص.
والبحث في أمر الحداثة هو أمر يصعب الإلمام به، ذلك أن القول في الحداثة أقوال، وهناك من مجالات الحداثة ما يثبت أن الحداثة حداثات، تتعدد بتعدد الأنحاء والميادين، ولا توجد حداثة واحدة، إلا باتفاق الاسم، وبشيء من التسامح والتواطؤ والموضع المشترك. وعليه يتجاوز محمد الشيخ بالانحياز إلى التناول الفلسفي للحداثة حصراً، والإعراض عما سواه، مع أن هنالك تقاليد فلسفية في النظر إلى الحداثة يغلب عليها طابع التعدد والتنوع. لكن الناظر إلى الحداثة اعتبارا واستشكالا يتعدد نظره بين النظر الأنطولوجي، الذي يهتم بأسس الحداثة، والنظر المعرفي، الذي يهتم بالحداثة والمعرفة، والنظر الأخلاقي الذي يختص بأخلاق الحداثة وقيمها، والنظر الديني، المتمثل بنزعة الحداثة الدنيوية، والنظر السياسي، الذي يعنى بالدولة الحديثة والمجتمع المدني، والنظر الجمالي المأخوذ بجماليات الحداثة وأدبياتها.
ويبدو أن الموحد بين أشتات أنظار الحداثة، على ما بينها من تنوع واختلاف شديدين، هو الأصل الذي تأصل عليه النظر نفسه، أي الأسس الفلسفية والأصول الأنطولوجية، التي نهضت عليها الحداثة.
يعزو محمد الشيخ اختياره الفلسفة المثالية الألمانية وفلسفة هيغل مداراً للبحث إلى أنه لم يكن ممكنا للفلاسفة المحدثين بدءاً من «رينيه ديكارت» (1596 ـ 1650) وصولاً إلى «إيمانويل كانط» (1724 ـ 1804) النظر في الحداثة إلا بتحقق مطلب أساسي، هو عبارة عن مدى مقدرة قولهم الفلسفي «الانعكاس» على ذاته، ناظراً فيها مبصراً، مقرناً قول الحداثة بقول القدامة، منقباً عن جدته، واعياً للخطاب الفلسفي الحداثي بأنه خطاب فلسفي حداثي. لكنه يعي أن اختياره الألمان وهيغل يترتب عليه اعتبارات ومبررات، يجدها في أمرين هما: «فلسفة التاريخ» و«تاريخ الفلسفة»، اللذان تحققا لأول مرّة في تاريخ الفكر الحديث في ألمانيا خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر، إبان عهد المثالية الألمانية بعامة وفلسفة هيغل بخاصة. وتوافر هذين الشرطين نتج عنه إمكان النظر التاريخي في مسألة الحداثة اعتباراً واستشكالاً. وعليه يتحدد مجال الكتاب في مجال التقاطع بين مبحث فلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة، كي يعنى بالفلاسفة الذين قدموا نظرات في فلسفة التاريخ واعتبارات في تاريخ الفلسفة، إلى جانب اهتمامه بنظر الفيلسوف في فلسفته، ونظره إلى فلسفته في إطار عصره، ونظره في عصره وإليه في إطار مجمل التاريخ البشري.
الفكر والزمن
ويعتبر محمد الشيخ أن أهم ما يميز الفلسفة المثالية الألمانية هو ذاك السير المتواصل بين حدين، كانا يبدوان في ما تقدم من تاريخ الفكر متنافرين، وهما الفكر والزمن، أو الفلسفة والتاريخ. وكان شأن الفكر على الدوام أن يتغيّا الأبدية والخلود، وبالضد من ذلك، كان شأن الزمن أن يكون آلة تلد أبناءها، وتأكلهم واحداً تلو الآخر. وكان مسعى الفلسفة يتجسد في درك الشأن المطلق، وبالعكس من ذلك تماما، كان شأن التاريخ أنه دائم النظر في الأمر الذي دأبه التحول والتبدل، إلا أن المثالية الألمانية سعت إلى التوليف بينهما طبقاً للمبدأ: «أن نفكر، معناه أن نتحاور مع الزمن»، و«لأن نفكر، هو أن نشّيد المذهب الذي يتحدى الزمن». وقد بلغ مسعاها مبتغاه ومنتهاه عند هيغل، إذ في فلسفته تجاوب الزمن وتمت فلسفته مع الفكر، كما ثم تأريخه من خلال تاريخ الفلسفة، وذلك بشكل غير مسبوق في تاريخ الفلسفة كله، بل إن فلسفة هذا المفكر وصلت بالتاريخ والفلسفة إلى حد المماهاة التامة والمطابقة الكاملة، حسبما يقرر المؤلف.
وكان الفيلسوف الألماني «يوهان غوتليب فيتشه» أو «فيخته» (1762 ـ 1814) أول الفلاسفة المثاليين الألمان الذي اشترع للفلسفة، واستنّ مهمة النظر في تاريخها، ومعرفة المسار الذي قطعته والعمل الذي ينتظرها. واعتُبر عمله الفلسفي «نظرية العلم» النقطة التي أدركت فيها الفلسفة نفسها، وانعكست على ذاتها، فوعت ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وقد ذهب كل من «فريدريش فلهام شلنغ» (1775 ـ 1854) وهيغل بهذه الفكرة إلى أقصى نتائجها المنطقية الممكنة، فأقاموا فلسفتهم على ضوء مسار الفكر الكوني بأكمله، من جهة أن الفلسفة المرجو بناؤها لديهما ما كان من شأنها أن تكتسب حقيقتها التاريخية إلا حين تصبح نسق كل الأنساق وفلسفة كل الفلسفات. ويرى محمد الشيخ أن الفلاسفة المثاليين الألمان عرفوا الفصل الواضح بين قديم الفلسفة وحديثها، ونصبوا الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت» على رأس الفلسفة الحديثة، وادعوا أن هذه الفلسفة وعت ذاتها في أنساقهم الفلسفية، ونظروا إلى الفلسفة الحديثة بما هي جماع لا بما هي أشتات، ثم جمعوا في شخص الفيلسوف المثالي بين المتفلسف ومؤرخ الفلسفة، وهو أمر لم يعهد من ذي قبل.
ويرى محمد الشيخ أن فيتشه عمد إلى إنشاء فلسفة في التاريخ من خلال تحويل مفهوم التاريخ من مفهوم تجريبي واختياري، متعلق بتعاقب الأحداث، تعاقباً هو اقرب إلى العرضية منه إلى الضرورة، إلى مفهوم «تأملي» و«اعتباري» مرتبط بالنظر الفلسفي الميتافيزيقي. وحاول توليد فكرة التاريخ توليداً مثالياً، تأملياً، بالاستناد إلى مفهوم تفاعل الذوات، واعتبار سير التاريخ «سيرا معقولا ترتفع عنه العرضية والإمكانية والأهواء والأنانية، ويخضع للضرورة والحتمية والخطية. تنتظم فيه الأحداث انتظاماً، وتصير مفهومة، معقولة، قابلة للنظر الفلسفي والتفكير العلمي. وهذا المدخل النظري إلى التاريخ، يبدأ بافتراض أن للتاريخ نواميس تحكمه، وعليه أن يصبح مشفاً للفكر، واضحاً له باعتباره تاريخا معقولاً، أمره أن يحيل إلى عناية، هي عند تحقيق أمرها عناية كونية. كما عمد فيتشه إلى توحيد أصول النظر التاريخي، من خلال التوحيد بين التاريخ الديني، أي تاريخ الكنيسة، والتاريخ الدنيوي، أي تاريخ الحضارة البشرية، واعتبار الثاني تجليا للأول، وبشكل يظهران تاريخاً واحداً.
غير أن فيشته لجأ إلى قسمة ثلاثية لفلسفة التاريخ، تشابه القسمة المسيحية بمملكة الأب ومملكة الابن ومملكة الروح، وبقيت ملازمة للفلسفة الألمانية برمتها، لكن هيغل بلغ بأفكار فيشته وشلنغ أجل مراتبهما، عندما اعتبر التاريخ تقدم الوعي بالحرية، ولهذا مبدأ وواسطة ومنتهى. وتجسدت البداية الأولى للتاريخ في الشرق القديم: الهند والصين، حيث ساد الطغيان العام، وكان الفرد هو «الطاغية»، والآخرون كانوا عبيدا، وأما واسطة التاريخ فهي بلاد اليونان والرومان، حيث كان بعض الأفراد أحرار بالمولد والطبع، وبقية الأفراد عبيد. أما منتهى التاريخ، أو نهايته، فهي الأمم الجرمانية، التي احتضنت مبدأ «الذاتية» المسيحية وحضنت به مولد دولة حديثة مرسومة المواصفات.
التحولات
ويستعرض المؤلف التحولات الدلالية العميقة التي مست جوهر الفلسفة في ألمانيا بداية القرن التاسع عشر والتي تأدت إلى إنشاء «قول فلسفي في الحداثة»، كما يعرض إلى «تشكل» الوعي الحديث، بدءاً من بوادر بروزه إلى غاية تمامه، وإلى «بنية» هذا الوعي وتعدد مناحيه، وقد سمح له النظر في متن الفلسفة المثالية الألمانية بعامة، ومتن هيغل بخاصة، باستقصاء أمر «نظرية الحداثة» واستخلاص سماتها العامة التي بها عرفت، وبيان حدودها التي عندها وقفت. وتطلب البحث في أمر الحداثة في فلسفة هيغل إعادة بناء فكر هذا المفكر، وتبيان أنه لكي يفهم نظره في الحداثة يجب العـودة إلى أنظــاره في «الإنسان»،
ذلك أن تصور هيغل للإنسان ينهض على النظر إلى الإنسان بما هو الإنسان السالب، التي تجعل حقيقة الإنسان الفعل، حيث كل إنسان فاعل، وما كان وجود الإنسان بوجود السكون، بل بوجود الفعل، وما من فعل أنى كان شأنه إلا هو فعل سلب ونفي. ولا يتوقف فعل الإنسان إلا حين يتحقق الرضا، وما تاريخ الإنسان سوى تاريخ رغائب، وقد تحققت أسمى رغائب الإنسان في العصر الحديث، وتجسدت في مبادئ العاقلية والحرية والذاتية، فما بقي له سوى الرضا، وفي تمامه كماله ونهايته.
ويجد المؤلف أن أول مبادئ الحداثة في فلسفة هيغل هو العاقلية، وثانيها هو الحرية، وثالثها هو الذاتية. وهذه المبادئ أنشأت المجتمع السياسي والمدني القائم على عقلانية التدبير في السياسة والاجتماع، وعلى النظر في الاعتبار إلى حرية الأفراد في المجتمع المدني، وصون فرديتهم العاقلة الحرة. غير أن الحداثة ارتبطت بعقلانية الغرب، ولم تقتصر ظاهرة التعقيل الغربي على علمنة الثقافة الغربية وحسب، بل تعدتها إلى نمو وتطور الجماعات الحديثة، وارتبط كل ذلك بالمشروع البرجوازي للتحديث، وأدى إلى انهيار التصورات الدينية للعالم المسيحي الأوروبي، حيث أخذت التصورات الدنيوية والعلمانية تأخذ مكانها تدريجياً ومن هنا جاءت الصرخة بخيبة العالم وخوائه.

الكتاب: صادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2008
(كاتب سوري) 

رابط المقال :

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=176363&r=0

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

السلة

لا يوجد منتجات في سلة المشتريات.