الفكر الإسلامي: قراءات ومراجعات

يحاول هذا الكتاب أن يفحص ويتتبع قراءات الفكر الإسلامي المعاصر ومراجعاته لبعض المفاهيم والقضايا الفكرية التي يتجدد ويتكثف الحديث حولها باهتمام, وتتعدد وتختلف حولها وجهات النظر بطريقة نقدية وسجالية أحياناً. ومن هذه المفاهيم والقضايا التي يدرسها هذا الكتاب التعددية, الديموقراطية, الحداثة, حقوق الإنسان, قضايا المرأة, تحولات الحركة الإسلامية, انبعاث النظام العالمي الجديد. ودراسة هذه المفاهيم يأتي في سياق ما شهده الفكر الإسلامي من تحولات وتغيرات فكرية وسياسية, ذاتية وموضوعية, بعد انتقاله من حقبة الثمانينيات إلى عقد التسعينيات من القرن العشرين. وذلك من خلال تتبع واستقراء النصوص والمقولات والمدوّنات التي عبر عنها رموز ومفكري وشخصيات الفكر الإسلامي, والتي كشفت عن مراجعات و قراءات متحوّلة حول تلك المفاهيم والقضايا. ومن النتائج التي يتوصل إليها الكتاب هو أن الفكر الإسلامي بصورة عامة أظهر قدراً من الوعي والنضج والفهم والمراجعة في العقدين الآخرين من القرن العشرين, يفوق ما كان عليه قبل ذلك الوقت, ويمكن لهذا التقدم أن يأخذ وتيرة متصاعدة إذا استطاع الفكر الإسلامي أن يحافظ على حيويته الفكرية, وفاعليته الاجتماعية, وتواصله مع العصر و معارفه, واندماجه بالعالم وقضاياه.

ويضم هذا الكتاب مجموعة من الكتابات التي نشرها المؤلف في حقبة التسعينات من القرن العشرين (1992 – 1998) وهي الحقبة التي شهد فيها الفكر الإسلامي طورًا مهما ومؤثرًا في مساراته ومسلكياته الفكرية والتاريخية، وارتسمت فيها تغيرات وتحولات شديدة الفاعلية والتأثير في المجال الإسلامي بصورة عامة.

والدارسون والمهتمون بحقل الإسلاميات المعاصرة سيظلون في حاجة مستمرة إلى العودة إلى هذه الحقبة، والتوقف عند أحداثها وتطوراتها الفكرية والسياسية، وذلك لأهميتها من ثلاث جهات: من جهة ما قبلها، لكون هذه الحقبة متصلة ومتفاعلة مع حقبتي السبعينات والثمانينات. ومن جهة خاصة بها، لكونها تمثل خاتمة القرن العشرين الذي شهد أحداثًا كبرى غيَّرت مجرى التاريخ الإنساني. ومن جهة ما بعدها، لكون هذه الحقبة جاءت متصلة بالقرن الحادي والعشرين.

وتنتمي هذه الكتابات، كما هو واضح، إلى حقل الإسلاميات المعاصرة، وتُعنى بدارسة الفكر الإسلامي المعاصر، ومن حيث التوصيف هي كتابات اسطلاعية في الأساس تتوخى رصد وتوثيق المواقف والتصورات الإسلامية المعاصرة، وتكوين المعرفة بها، وذلك من خلال العودة إلى نصوص ومقالات تتعلق بجملة من المفاهيم الأساسية والملحة.

*التعدُّدية

يناقش المؤلف مفهوم التعددية من ثلاثة عشر زاوية يبدأها بتعريف “الحزب” لغة واصطلاحًا من خلال المعاجم العربية ومن خلال الاستعمال المعاصر لها في العصر الحديث، ثم ينتقل إلى تعريف الحزب في القرآن الكريم حيث يجد أن الكلمة وردت في القرآن في عشرين موضعًا بأكثر من استعمال، فتارة يستعملها القرآن بدلالة المدح، وتارة أخرى بدلالة الذم. كما أن كلمة الأحزاب بصيغة الجمع لم ترد في القرآن إلا بدلالة الذم. وعرّج المؤلف بعد ذلك على النظر في قضية “الحزبية في فكر المسلمين” حيث أكد على أن الفكر السياسي المعاصر عند المسلمين يفتقر إلى رؤية متماسكة تجاه قضية الحزبية. وقد استخدم المؤلف هذه المداخل للعروج على قضية التعددية التي يعرفها بأنها في جوهرها إقرار بالحرية والاختلاف والتعايش السلمي على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وفي فلسفتها العامة هي حقيقة فطرية، وسنة كونية وقانون حياتي. وبعد مناقشة التعددية من زوايا المنهج التاريخي ومنهج أصول الفقه يخلص المؤلف إلى أن التعددية لها ثلاثة أنماط:

-تعددية ذات نمط إسلامي.

-تعددية ذات نمط غير إسلامي

– تعددية في نمط الأقليات غير الإسلامية.

أخيرًا ذكر المؤلف الموقف السلفي من الديمقراطية حيث يرى الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ان هذه “المؤسسات والوسائل والأحزاب والجمعيات ليست حرامًا وإثمًا بذاتها، بل هي مصالح مرسلة، لم يأتِ نص شرعي بتحريمها.

*الديمقراطية

منذ عقد التسعينات من القرن العشرين، ومسألة الديمقراطية تُطرح بوتيرة مكثفة ومتصاعدة في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، ويجري التعاطي معها بأنماط مختلفة من الفهم والتحليل، يتناول الأبعاد التاريخية، والفلسفية والسياسية والثقافية والاجتماعية وبشكل يكشف عن تحولات في الرؤية السياسية والفكرية عند النخب الإسلامية.

واللافت في الأمر أن الأسئلة التي طُرحت في النصف الأول من القرن العشرين حول الديمقراطية، مازالت تُطرح اليوم مع نهاية القرن والولوج إلى القرن الحادي والعشرين، من هذه الأسئلة:

هل يتعارض الإسلام والديمقراطية؟

هل هناك ديمقراطيات إسلامية تعارض ديمقراطية الغرب

هل نرفض الديمقراطية كليا أم جزئيًا؟ وهل نتقبلها كليًا ام جزئيًا؟

ما العلاقة بين الشورى والديمقراطية؟

ويقسم المؤلف أنماط التعرض لقضية الديمقراطية في الفكر الإسلامي قبل التسعينات إلى أربعة أنماط:

الأول: الأعمال الفكرية التي حاولت أن تُبرز “ديمقراطية الإسلام” ومنها كتاب الديمقراطية في الإسلام لعباس العقاد.

الثاني: الأعمال التي حاولت أن تُبرز فكرة الشورى في الإسلام مقابل الديمقراطية في الغرب ومنها أعمال المفكر السوداني حسن الترابي.

الثالث: الاعمال التي حاولت التشكيك وتوجيه النقد والهجوم على ديمقراطية الغرب الذي لم يلتزم بأمانة الديمقراطية مثل أعمال المفكر  خالد محمد خالد

الرابع: الأعمال التي أبرزت أن الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء ولا تلتقي مع قيمه ومبادئه ونظمه وتشريعاته والعلاقة بينهما علاقة تعارض وتناقض وتنافر، ومنها كتاب السيد كاظم الحائري: أساس الحكومة الإسلامية.

ويخلص المؤلف إلى أن الفكر الإسلامي المعاصر هو في سعي دؤوب لتكوين فهم جديد يكون أكثر نضجًا تجاه تلك المسائل الفكرية المعاصرة، وفي مقدمتها مسألة الديمقراطية، التي تقرأ اليوم بمنطق مختلف، وذلك نتيجة التراكمات التاريخية، وتطور مستويات الخبرة والمعرفة، والاقتراب من العصر.

حقوق الإنسان

يرى المؤلف أن الفكر الإسلامي المعاصر قد تأخر كثيرًا في العناية والاهتمام بفكرة حقوق الإنسان بأبعادها الفكرية والقانونية والفقهية والسياسية. وبداية الاهتمام الجاد والمتصل بهذه الفكرة في المجال الإسلامي كان مع بداية الثمانينات من القرن العشرين تقريبًا، حيث ظهرت وتوالت العديد من الكتابات والمؤلفات على مستوى النشر والتأليف، وعلى مستوى تشكيل بعض المؤسسات والهيئات التي تُعنى بهذا الشأن، وحصل الالتفات بضرورة الاقتراب والتواصل مع المؤسسات والهيئات الدولية التي تنشط على هذا الصعيد. ويرى المؤلف أن ثمة بواعث فكرية وسياسية وقانونية ساهمت في ازدياد الاهتمام الفكري الإسلامي بقضية “حقوق الإنسان.

ويعرج المؤلف على الكتابات الإسلامية التي عالجت قضية حقوق الإنسان وينقل عن الشيخ محمد مهدي شمس الدين انطلاقها من ثلاث خلفيات هي:

-الروح الدفاعية، فبعض الأبحاث طرحت للدفاع عن الإسلام أمام من يتهمه بمخالفة حقوق الإنسان، فهو بمثابة متهم يدافع عن نفسه.

-خلفية التناظر، حيث أن بعض الأبحاث كتبت لبيان احتواء الإسلام على حقوق الإنسان نظير ما لدى الفكر الغربي من حقوق للإنسان.

-خلفية التظلّم، حيث يعرض المسلمون ظلاماتهم ويحتكمون بها على حقوق الإنسان.

-المرأة

الحديث عن قضايا المرأة في الفكر الإسلامي، لم ينقطع أو يتوقف خلال القرن الأخير، فقد كان لهذه القاايا في حقل الدراسات الفكرية والثقافية ذات النسق الإسلامي، اهتمامٌ واسع يفوق من الناحية الكمية قضايا أخرى عديدة. ولعل أبرز ما يفسر هذا الاهتمام النشط بقضايا المرأة في الأدبيات الإسلامية، هو ما فتحته هذه القضايا من معارك فكرية ساخنة،شكلت واحدة من أهم أشد أنواع الاصطدام بين المنظومات الفكرية المتنازة في رؤيتها الاجتماعية والثقافية والسياسية في المجال العربي والإسلامي، وذلك لارتباطها بالحياة الاجتماعية العامة والخاصة للفرد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

السلة

لا يوجد منتجات في سلة المشتريات.