في تاريخ الثورات وتجارب الانتقال السياسي لأنظمة سياسية مغايرة، تسير العلاقة ما بين الدولة والثورة على خطّين متوازيين، يتقاطعان أحياناً ويبتعدان أحياناً أخرى، نظراً لاستمرارية وجود المؤسسات الثورية، واستمرار تبني خطاب سياسي عنيف داخلياً وخارجياً.

تشكل الثورة الإيرانية برأي الكاتبة أمل حمادة تجربة متميزة في ما يخصّ المؤسسات، حيث سعت إلى بناء عدد من المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي تنسجم وإيديولوجيا النظام، كما أنها من جهة ثانية سوف تسعى لتهيئة عدد من المؤسسات التي كانت موجودة في زمن الشاه ولا تتعارض مع الثورة، بينما تلك المؤسسات التي لا سبيل إلى إصلاحها، لأنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظام الشاه، فقد عملت على هدمها. وإلى ذلك، فإنها ترى أنه قد صاحب هذه العمليات المتشابكة تطوّر القواعد القانونية والتفاعلات السياسية بين مختلف القوى الإيرانية نحو مزيد من الانتقال إلى الدولة. وفي إطار المرحلة الانتقالية ناقشت الباحثة الخصائص الرئيسية من سيولة التحالفات والتنظيمات السياسية وازدواجيات المؤسسات السياسية بالإضافة إلى مهام بناء ونقل المؤسسات في تلك المجتمعات، إلى جانب مناقشة الدولة باعتبارها مرحلة في التطور التاريخي للمجتمعات واستئنافا للمرحلة التي سبقت الثورة.

عوامل قيام الثورة الإيرانية
وناقشت المؤلفة عوامل قيام الثورة الإيرانية، فقسمتها إلى أربعة عوامل: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، لتؤكد أن العوامل الثقافية كان لها الثقل الأكبر في قيام الثورة، وبالتالي فإنها سوف تركز على الجهود الفكرية التي قدّمها عدد من المفكرين الإيرانيين في الإعداد للثورة أو لشكل الدولة التي تلت عملية تغيير نظام الشاه. وتطرقت المؤلفة إلى الإطار الدستوري والمؤسساتي للنظام الجديد، حيث ركّزت على عملية وضع الدستور عام 1979 والظروف السياسية التي صاحبت وضعه، بالإضافة إلى مناقشة التعديلات الدستورية التي أقرت عام 1989 والتغييرات التي نتجت من هذه التعديلات. وإلى ذلك فإنها سوف تركّز على عملية بناء المؤسسات على اعتبار أنها من المؤشّرات التي تدلّ على استقرار التحوّل إلى الدولة. أما الفصل الرابع فقد تابعت فيه عملية الانتقال إلى الدولة من خلال التفاعل بين مؤسسات الثورة ومؤسسات الدولة، فحددت ثلاثة أقسام لرصد هذا التطور:

القسم الأول يرصد التطور الذي طاول عددا من مؤسسات الثورة على رأسها الحرس الثوري ومجلس الرقابة على القوانين الذي عرف ببعض الأحيان بمجلس صيانة الدستور.

أما القسم الثاني فقد ركّز على التطوّر الذي طاول البرلمان والرئاسة من خلال مناقشة الانتخابات البرلمانية والرئاسية على اعتبار دلالتها بالنسبة إلى شكل النخبة الحاكمة وآليات الدوران.

بينما سوف تركّز في القسم الأخير على تطور ولاية الفقيه على المستوى الفكري والسياسي، حيث تُعتبر ولاية الفقيه من أهم المؤسسات في الدلالة على جدلية العلاقة بين الثورة والدولة في إيران، وإلى ذلك فإنها سوف تقيّم هذه التجربة بأنها لم تتحرّك بالمعدّل نفسه في كلّ المستويات، فبينما شهدت المؤسسات السياسية الرئيسة في الدولة معدّلات استقرار عالية، الأمر الذي يعكس استقرار الدولة ككل، فقد اتّسمت قطاعات أخرى بسمات تقترب بها من الثورة. والمثال على ذلك، البرلمانات الإيرانية التي استكملت دوراتها وعقدت الانتخابات الدورية حتى في أثناء ظروف الحرب، ووصول أغلبية مختلفة في الانتخابات البرلمانية لعام 2004. أما مؤسسة الرئاسة، فهي بدورها عقدت الانتخابات الرئاسية في مواقيتها، ولم يحدث تغيير دستوري لتعديل مرات تولّي الرئاسة، وكانت النتائج الانتخابية دائماً محمّلة بالمفاجآت، ولكنها تعبّر عن اختيار الناخب الإيراني الذي كان يعطي صوته لمرشح غير متوقّع. أما بالنسبة لمنصب الولي الفقيه، فهو لم يشهد تغييراً، نظراً لأن مدّة شغل المنصب مرتبطة بحياة الفقيه، حيث لا يمكن عزله إلاّ في الحالات التي يثبت فيها عجزه عن أداء مهمّته، أو افتقاده أحد شروط القيادة. وبالعودة إلى علاقة واقع الدولة بالثورة، سوف تقدّم الباحثة ثلاث قراءات له، ذهبت أولاها إلى أن التجربة الإيرانية تشهد انتقالاً مستمراً من الثورة إلى الدولة، ولكن هذا الانتقال لا يحدث بالوتيرة نفسها في كلّ القطاعات، كما يظلّ هناك احتمال ارتداد مؤسسة أو أكثر إلى حالة الثورة بما تفرضه آليات الخطاب السياسي. والقراءة الثانية ترى من خلالها أن العلاقة ما بين الدولة والثورة تسير على خطّين متوازيين، يتقاطعان أحياناً ويبتعدان أحياناً أخرى، نظراً لاستمرارية وجود المؤسسات الثورية، واستمرار تبني خطاب سياسي عنيف داخلياً وخارجياً. أما القراءة الثالثة فترى أن النظام الإيراني قد انتقل من الثورة إلى الدولة مباشرة بمجرد الإطاحة بنظام الشاه، حيث وضع النظام مجموعة من القواعد القانونية والدستورية والمؤسسية الحاكمة لحركته، والضابطة لآليات الصراع السياسي. وبالتالي فإنه يمكن فهم تطوّرات التجربة الإيرانية ليس باعتبارها صراعاً بين راديكالية الثورة ومؤسسية الدولة، ولكن باعتبارها صراعاً بين النخب السياسية التي تمتلك رؤى مختلفة في داخل الدولة الإيرانية وخارجها. ومن هنا، فإن واقع التجربة الإيرانية يسمح بقراءته هذه القراءات المختلفة، والمثال على ذلك قرار الناخب الإيراني بانتخاب الرئيس أحمدي نجّاد الذي يقرأه البعض على أنه ارتداد إلى الثورة، وبخاصة في ظلّ الخطاب الراديكالي الذي تبناه الرئيس في أثناء حملته الانتخابية، وخطابه المتشدد في مواجهة موقف المجتمع الدولي بشأن نشاط إيران النووي. وفي هذا الصدد، تشير الباحثة أن السياسة الخارجية لإيران تعتبر من أهم المجالات التي تطرح جدلية العلاقة بين الثورة والدولة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

السلة

لا يوجد منتجات في سلة المشتريات.