الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية: نحو نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة

يُحلل هذا الكتاب: “الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية: نحو نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة” للدكتور نادر هاشمي، العلاقة النظرية بين الدين والديمقراطية، وخصوصًا العلاقة بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية، ويهدف إلى مناقشة العلاقة بين الإسلام والمجتمعات ذات الغالبية المسلمة والديمقراطية الليبرالية، في محاولة لتطوير النظرية والممارسة المتعلقة بهما.

إن الإشكالية المركزية التي يتوخى هذا الكتاب حلها هي كالتالي: تتطلب الديمقراطية الليبرالية شكلاً من العلمانية لتحافظ على نفسها، ولكن في الآن ذاته، فإن المرجعيات السياسية والثقافية والفكرية التي توجه الديمقراطيين المسلمين هي مرجعيات لاهوتية. تقف هذه المفارقة اليوم في وجه النظرية الديمقراطية، ويسعى هذا الكتاب إلى حل هذه المفارقة وتفسيرها.

ويرى هاشمي وجوب إعادة التفكير في العلمانية، وإنتاج علمانية متصالحة مع دور الدين في الفضاء العام، وتأكيد فكرة وجود نماذج متعددة من العلمانية في العالم. ومن ناحية أخرى، يؤكد هاشمي أن تبيئة العلمانية في المجتمعات المسلمة لا يمكن أن تتم من دون المرور بمرحلة الإصلاح الديني وإعادة تأويل النص المقدس وتفسيره. ويشدد كذلك على فشل تطبيق العلمانية التي تحاول السلطات فرضها قسرًا، ويؤكد أن انخراط المجتمع في السياسات العامة للدولة هو من أبرز ما سيسهم في تدوير الزوايا الحادة في علاقة الدين بالعلمانية.

وقد جاء الكتاب الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت2017، في مقدمة هي عبارة عن فصل تمهيدي يتبعه أربعة فصول.

يسعى الفصل التمهيدي لاستكشاف الخلفية التاريخية اللازمة لفهم النظرية الديمقراطية – الليبرالية للمجتمعات المسلمة. ويقدم مسحًا مختصرًا لأدبيات الليبرالية السياسية ونظرية التحديث فيما يتعلق بالدين ثم يتبعه بقراءة نقدية لهذه الأدبيات. ويحاجج هاشمي بأن هذه الأدبيات لم تكن مساعدة لفهم العلاقة النظرية بين الدين وتطور الديمقراطية. وبدلاً من ذلك، يعمد إلى توسيع النظرة إلى التاريخ، ليصبح الفهم المتوازن لهذه المسألة ممكنًا.

ويستكشف الفصل الأول المعنون بـ :” نحو نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة: الخلفية التاريخية”، سؤال العلاقة بين الأصولية الإسلامية والتطور السياسي، مركزًا على التأثير السوسيولوجي للأصولية الإسلامية، بدلاً من التركيز على محتواها الأيديولوجي، مقارنًا بينها وبين صعود البيوريتانية الإنجليزية، ويقدم هاشمي في هذا الفصل  تفسيرًا مختلفًا لأصول النزعات الإسلاموية وتأثيراتها السياسية، حيث يُحاجج بأن الحركات الدينية الاحتجاجية والراديكالية تظهر غالبًا في سياق المجتمعات التي تتعرض للتحديث السريع وفي سياق الاضطراب الذي يصاحب انهيار النظام التقليدي، مؤكدًا أن هذه الظاهرة تتكرر في التاريخ باستمرار وترتبط بعملية التحديث السياسي طويل الأمد. ويعتقد هاشمي أن الأصولية الإسلامية ظاهرة اجتماعية أكثر تعقيدًا مما يتم تصويره عادة، كما أنها يمكن أن تحمل منافع كامنة تسهم في التطوير، عندما يُنظر إليها من منظور التاريخ وعلم الاجتماع.

وينقسم الفصل الثاني المعنون بـ: “النصوص المقدسة المتبارزة: اللاهوت السياسي لجون لوك والتحول الديمقراطي في المجتمعات المسلمة” إلى قسمين. يعالج هاشمي في القسم الأول منهما العلاقة بين الإصلاح الديني والديمقراطية عبر مناقشة اللاهوت السياسي لجون لوك؛ لا لأن لوك هو أحد الآباء المؤسسين للديمقراطية الليبرالية الحديثة فحسب، بل لأنه كان مشغولاً بالتفكير في العلاقة بين الكنيسة والدولة طيلة حياته. ويسوغ هاشمي استخدامه لجون لوك في مقاربته لإيجاد نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة، بأن كتابات جون لوك وأعماله النظرية تُظهر إمكانية إيجاد مساحة نظرية يمكن للدين فيها أن يقدم حججًا تدعم السيادة الشعبية وحقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك يرى هاشمي أن لوك عاش ضمن سياق اجتماعي شبيه بسياق المجتمعات المسلمة اليوم. فقد كان الدين هو المحدد الأبرز لهوية العدد الأكبر من الناس، كما أن عملية التحديث قد أفضت إلى تفكك سياسي واجتماعي كبير، ولعل هذه الحال هي ما يربط بين هذا الفصل وتحليل هاشمي المقارن في الفصل الأول بين صعود الأصولية الإسلامية، وصعود البيوريتانية الإنجليزية. علاوة على ذلك فقد كان المفهوم اللاهوتي للسياسة سائدًا بين الناس، من ناحية الأساس الأخلاقي لشرعية السلطة السياسية، حيث أن لوك كان يكتب في عصر كانت السلطة السياسية فيه تسوغ أفعالها بالاستناد إلى “الحق الإلهي للملوك”.

وفي القسم الثاني من الفصل الثاني يحاول هاشمي تطبيق اللاهوت السياسي للوك على حالة العالم الإسلامي المعاصر على قاعدة النقاش السياسي الديني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي سيعقد مقارناته من خلالها. ويخلص هاشمي في هذا الفصل إلى أن المححاججة بأن المجتمعات التي ما تزال ترزح تحت حكم مذهب ديني – سياسي لا ديمقراطي ولا ليبرالي، يمكن أن تتطور بالديمقراطية الليبرالية عبر إعادة تأويل الأفكار الدينية فيما يتعلق بالحكم. ويعد هاشمي أن هذا الخيار أكثر نجاحًا وتماسكًا من الخصخصة الكاملة للدين أو إقصائه عن الحيز العام. ويقترح هاشمي في نهاية الفصل أنه ثمة طابع كوني لهذا الجانب من الديمقراطية الليبرالية، وأن هذا الخيار صالح وسارٍ عبر الأزمنة المختلفة وبين التقاليد الثقافية المتغايرة.

ويتناول هاشمي في الفصل الثالث المعنون بـ: “تشريح مختصر للعلمانية: في تفحص الصلة بينها وبين الديمقراطية الليبرالية” سؤال العلمانية، ويحاول أن يوضح العلاقة النظرية بين الدين والعلمانية والديمقراطية الليبرالية. ففي معظم الأدبيات العلمية حول نظرية الديمقراطية الليبرالية –بحسب هاشمي- يتم الاعتماد على مجموعة من الفرضيات غير الـمُمحَّصة. ويركز هاشمي تحديدًا على النقطة التي يصبح الدين والديمقراطية الليبرالية فيها محل تعارض، وعليه يقدم بيانًا واضحًا للإجابة على سؤال لماذا تعد العلمانية شرطًا أساسيًا للديمقراطية الليبرالية. ولا يكتفي بتلك النتيجة بل يطرح تبعًا لإجابته على السؤال السابق عدة أسئلة جديدة مهمة: هل هناك أكثر من نموذج واحد من العلمانية يمكن أن يتوافق مع الديمقراطية الليبرالية؟، وما هي الحدود الدنيا التي ينبغي للدولة والجماعات في المجتمع المدني أن تحترمها للحفاظ على الديمقراطية الليبرالية؟، وما مدى سيولة (أو صلابة) حدود العلمانية؟. ويجيب هاشمي عن هذه الأسئلة من خلال تفحصه لأعمال اثنين من أعلام الفلسفة السياسية هما ألكسيس دو توكفيل وريتشارد رورتي، وعلى الرغم من وصولهما إلى خلاصتين مختلفتين على صعيد إمكانية التوافق بين الدين والديمقراطية، فإن هاشمي يسعى لتجسير الهوة بينهما عبر الانتقال إلى المساهمة النظرية الحديثة لألفريد ستيبان حول العلاقة بين الديمقراطية الليبرالية وأنظمة العالم الدينية، مع التركيز على علاقة أطروحته بالمجتمعات الإسلامية المعاصرة.

أما الفصل الرابع والأخير، والمعنون بـ: “العلمانية والاستياء منها في المجتمعات المسلمة: تبيئة الفصل بين الدين والدولة”، فيشتبك فيه هاشمي مع سؤال العلمانية والاستياء منها في المجتمعات المسلمة. ويرى هاشمي أن انتشار العلمانية في المجتمعات المسلمة يواجه مجموعة من العوائق، بعضها نظرية ولكن معظمها عملية. تتعلق العوائق النظرية بالحجة التي تتردد كثيرًا، والقائلة بأن الإسلام مذهبيًا وتاريخيًا، على خلاف المسيحية، غير متوافق إطلاقًا مع العلمانية. ويبرز هاشمي أن أكبر ناطق باسم هذه الحجة هو المستشرق الأمريكي الشهير برنارد لويس الذي يدافع دومًا عن غياب أي قاعدة معنوية أو سابقة تاريخية للفصل بين السياسة والدين في الإسلام. ويدفع هاشمي هذه الحجة بالقول أن أطروحة لويس تتجاهل حقيقة أن المسيحية ظلت لما يزيد عن ألف عام –بالرغم من وصية المسيح بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر” قد استمت طوال تلك الفترة التاريخية بالتكافل والاعتماد المتبادل، وفي بعض الأحيان بالاتحاد بين الكنيسة والدولة. أما عن التحديات الأيديولوجية العملية التي تواجهها العلمانية في السياق الإسلامي المعاصر فهي المخيال الشائع بين العديد من المسلمين حول لا مصداقية العلمانية واقترانها بالاستعمار والإمبريالية. والنظر إلى العلمانية كذلك بوصفها سببًا في فشل دولة ما بعد الاستعمار في العالم الإسلامي التي حُكمت غالبًا باسم أيديولوجية علمانية ما. كما أن التفاوت الاجتماعي – الاقتصادي المتزايد، وقمع المعارضة الداخلية، والتبعية السياسية للعديد من الأنظمة للغرب (العلماني)، كلها جعلت العلمانية مفهومًا مشبوهًا في المجتمعات المسلمة المعاصرة.

ونتيجة لهذه السمعة السيئة التي اكتسبتها العلمانية في العالم الإسلامي، فقد أصبح الرفض للفكرة المعيارية حول ضرورة الفصل بين الدين والدولة، بالنسبة للفئات الناشطة سياسيًا في المجتمع، مكونًا رئيسيًا من مكونات هويتهم الإسلامية. ويحاجج هاشمي في المقابل بأن الانتقال الحقيقي للديمقراطية الليبرالية في المجتمعات المسلمة يتطلب “نظرية محلية للعلمانية الإسلامية”. بعبارة أخرى، إن العلمانية تفتقر للجذور العضوية في المجتمعات المسلمة. واعتمادًا على التجربة التاريخية القريبة، فقد بات يُنظر إلى العلمانية بوصفها أيديولوجيا للقمع بدلاً من أن تكون شرطًا أساسيًا لبناء نظام سياسي عادل.

ويرى هاشمي أن تغيير هذا التصور يتطلب من الجماعات الدينية والمفكرين الدينيين في المجتمعات المسلمة أن ينخرطوا ويشتبكوا مع موضوع العلمانية، في محاولة للتوفيق بين أفكارهم وقيمهم الدينية مع شكل من الحكم العلماني المتصالح مع الدين. ويؤكد هاشمي في هذا السياق أن الدلائل العملية في كل من إندونيسيا وتركيا تشير إلى أن حدوث ذلك يُسهم في دفع مشروع الديمقراطية الليبرالية إلى الأمام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

السلة

لا يوجد منتجات في سلة المشتريات.